محمد غازي عرابي
707
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
بتت أحاديث رسول اللّه قضية الإيمان والكفر ، وكان النبي يبخع نفسه ألا يكون الناس ، وبعضهم خاصة ، مؤمنين ، ولكن اللّه قال لنبيه في موضع آخر : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ يونس : 99 ] ، فصارت أحاديث الرسول تؤكد هذه الحقيقة الإلهية التي كثر فيها النقاش والجدل . فالكفر والإيمان في قبضته تعالى ، وهو القائل : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ يونس : 100 ] ، ولو شاء اللّه لنزل آية خضعت لها الأعناق ولكنه لم يفعل ولن يفعل ، لأن له في الأمر حكمة يعيها العالمون . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 6 ) [ الشعراء : 5 ، 6 ] نتيجة الكفر عدم سماع ذكر الرحمن ، وهذا أمر طبيعي وطبعي ، فهو سبحانه القائل في موضع آخر : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الإسراء : 45 ، 46 ] ، فالقرآن لا يقرأ بالعقل بل بالقلب ، والإنسان هو قلب أولا ثم هو عقل ، فالقلب القابض الباسط ، والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 7 إلى 9 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) [ الشعراء : 7 ، 9 ] الزوج النوع ، والملاحظ أنه لم يرد في الآية ذكر الزوجين بل زوج واحد وفي ذلك لطيفة ، ذلك أن اسم الزوج لا يطلق إلا على الشيء الذي له زوجه الآخر ، يقال عن الرجل زوج إذا كان له زوجة ، وكذلك المرأة ، ويقال عن الاثنين زوجان ، فالزوج الكريم الوارد في الآية هو الشيء الذي له زوجة وإن لم يذكر ، والملاحظ في قوله سبحانه : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] ، أنه جعل الإنسان الفرد مبثوث من الزوجين ، فيكون بهذا هو الزوجين ، وهذا ما فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكبير ، ويكون الزوج هنا النوع الجامع للزوجين ، والزوجان المقصودان الشيء ونقيضه باعتبار النقيض زوج الشيء دائما . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 10 إلى 14 ] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) [ الشعراء : 10 ، 14 ]